مابك ! أمازلت لا تثق بي ؟
ستيقظ الفتى وهو يجلس بين أناس لا يعرفهم، الحافلة مكتظة بالمهاجرين، كل واحد منهم يحمل وجهًا متعبًا وحقيبة مليئة بالأحلام الميتة. الطريق أمامهم كان متوقفًا، السيارات العالقة تمتد بلا نهاية، والدخان يتصاعد من محركاتها، رائحة الاحتراق تملأ الجو، مزيج من البلاستيك المحترق والجلد المتعفن، وكأن المدينة نفسها تتقيأ.
في الأفق، كانت المدن تحترق، أعمدة اللهب ترتفع من المنازل المتداعية، والناس يصرخون ويجرون بلا هدى. الجثث المحترقة تتجمع في الشوارع، والطيور التي نجت تطير بشكل هستيري، تصدر أصواتًا تشبه الصراخ البشري. الحريق يلتهم كل شيء: المكتبات، المستشفيات، وحتى الصوامع القديمة، والحرارة تجعل الجلد ينفتح قبل أن تصل النار.
هناك دولتان متنافستان، كل منهما تدّعي أنها الخلاص، لكن الحقيقة أكثر رعبًا: في كل زاوية، تجد جماعات يعبدون الشمس، يرفعون أياديهم إلى السماء في طقوس غريبة، يغرسون أشواكًا في أجسادهم، ويغطون وجوههم بالرماد والدم، صرخاتهم تصعد كصرخة الوحوش القديمة، والسماء تعكس بريق النار على وجوههم لتبدو أقرب إلى الشياطين.
وأضاف أيبان: الدول العظمى والنخبة اجتمعوا، وأدركوا أن البشرية على شفير الانقراض بعد هجوم جنس غريب احتل جميع جزر شرق آسيا في أيام معدودة، مستخدمين أسلحة بيولوجية دقيقة، تقتل الدماغ البشري قبل أن تنهي الجسم. وعندما فهموا أن البشر على وشك الهزيمة، قرروا وضع أطفالهم الرضع في كبسولات مغطاة بالرصاص، مزودة بأنظمة تنفس وأغذية ذكية، وألقوها في أعماق المحيط حيث الضغط يعادل وزن جبل على كل سنتيمتر مربع، لتبقى الحياة محمية بطريقة علمية خارقة، بعيدة عن الجنون والنار.
ولكن الحقيقة الأكثر رعبًا، والتي لم يعلم بها أحد: وراء هذا الهجوم لم يقف جنس غريب بمفرده، بل دولة سرية، لم تعرفها أي حكومة أو استخبارات، قامت بتحريك هذا الجيش المعدّل جينيًا ومكنته من الاستنساخ السريع. كل سلالة، كل طفرة، كل قدرة قتالية صُنعت بعناية في مختبرات مخفية تحت الجبال والجزر النائية.
هذا الجيش المعدّل جينيًا لم يأتِ للتفاوض، هدفه واحد وواضح: إبادة البشرية تمامًا. سيطروا على الإعلام بالكامل، وبثوا صورًا ولقطات مرعبة لأسرى البشر: جثث مخلوع اللسان والعين، ينزفون أمام الكاميرات بطريقة وحشية تهز النفوس، لتزرع الرعب في كل قلب حي.
السيطرة امتدت إلى الحاويات التي تنقل الغذاء والدواء، وفي أيديهم أسلحة جرثومية شديدة الفتك، قادرة على إبادة مدن كاملة في ساعات. يرسل الجيش رسائل نصية إلى هواتف البشر غير المتصلة بالإنترنت، يأمرونهم بالانتحار قبل أن يشاهدوا هول الحرب، ويهددون بتعذيب وإبادة الدول المجاورة، وعباد الشعوب في المدن الآسيوية، وكل فعل يحدث قبل أن يتدخل أي أحد، دون رحمة، بلا توقف، بلا قلب.
الفتى شعر بالقشعريرة، وكأن العالم بأسره صار جثة ترفرف فوقه. البحر نفسه صار مسرحًا للجنون: أسماك مفترسة ضخمة، بعضها معدّل وراثيًا منذ عقود، تلتهم أي شيء يقترب من الكبسولات. في السماء، سحب سوداء مشبعة بالمواد الكيميائية تنزل على المدن المحترقة، تصنع أمطارًا حمضية تحرق العظام قبل أن تصل الأرض، والأبنية تنهار كأن الأرض نفسها تتنفس غضبًا.
وفي خياله، يتصور النخبة في مخابئهم السرية، يراقبون هذا الجنون من شاشات، يبتسمون بسخرية، يعرفون أن ما تبقى من البشرية مجرد فوضى حية، وأن أطفالهم في القاع المظلم للمحيط، محميون بأجهزة تكنولوجية ذكية، سيكونون الورثة الوحيدين لعالم جديد، خالٍ من الجنون، لكنهم أيضًا خالٍ من الإنسانية
يصرخ رجل في الحافلة التي فيها يزن:
— هذه أهوال يوم القيامة! هذه أهوال يوم القيامة!
الفتى يزن ينظر في رعب، يسمع بهلع، يشعر بأن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا، كأن كل جزيء فيه يحمل الموت. الحافلة تتأرجح وسط الزحام، والركاب يلتصقون ببعضهم البعض، لكن لا أحد يجرؤ على الكلام، فكل وجه يبدو كلوحة من الرعب الصافي.
التفت مساعد قائد الحافلة إلى الركاب وقال بصوت متوتر لكنه صارم:
— لقد سمحت هيئة الغذاء لتجار بترويج عقاقير الموت لشعوب العالم، وهذا قرار وافق عليه أغلب الدول. إياكم أن تقبلوها، فكل ما سيقدمه لكم من الموردين المتجولين بعد قليل ليس غذاءً ولا دواءً، بل انتحار بطيء ومرعب.
الركاب تجمدوا في أماكنهم، بعضهم أدار وجهه عن الرجل الذي يصرخ، لكن صوته بقي يرن في أذانهم: “أهوال يوم القيامة، أهوال يوم القيامة!”
وفي اللحظة نفسها، بدأت أصوات ضحكات مكتومة ومعدنية تأتي من الطرقات المحترقة، وكأن آلات مجهولة تبث الجنون في الجو، تعلن عن قرب عبور الموردين المتجولين الذين يحملون صناديق صغيرة، كل واحدة منها تحتوي على عقاقير مبتكرة جينياً، قادرة على تحويل الدماغ البشري إلى فراغ بلا إرادة، مجرد آلة تموت بلا شعور.
بعض الركاب حاولوا المقاومة، لكن مساعد القائد رفع يده، وأشار إلى سماعات الحافلة:
— أي صوت غريب أو تحذير آخر قد تسمعونه ليس سوى إعلام مخترع. الهدف واحد: نشر الرعب، تجريب العقاقير، واختيار من سيبقى على قيد الحياة.
الفتى يزن شعر بدوخة مفاجئة، وكأن عقله بدأ يختلط بالكوابيس التي تراكمت في الحافلة: صور الأطفال الذين يحدقون في الفراغ، أسماك مفترسة تقفز من المحيط لتلتهم أي شيء حي، والسماء السوداء التي تتنفس غضبًا، تصب حمضها على المدن المحترقة.
في داخله، علم أن البقاء حيًا هنا ليس مجرد مسألة حظ، بل اختبار بشري خفي، صُمم ليكشف عن من يملك إرادة النجاة، ومن سيُقذف في الفراغ الذي يبتلع كل شيء